Audios Wolof    Français
 
 

الرئيسية > المحاضرات والخطب النصية > الخطب النصية

 
الأزمة المالية - الخطبة الثانية


إنّ الحمد لله نحمده و نستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه و على آله و أصحابه أجمعين.

أما بعد: فقــــــــد قال تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ قال ابن جرير : (( وأولى الأقوال في ذلك أن يقال: إن الله وعد هؤلاء الفسقة المكذّبين بوعيده في الدنيا العذاب الأدنى، أن يذيقهموه دون العذاب الأكبر، والعذاب: هو ما كان في الدنيا من بلاء أصابهم، إما شدّة من مجاعة، أو قتل، أو مصائب يصابون بها، فكل ذلك من العذاب الأدنى. ))

أيها الإخوة: من كان يتوقع أن تقع هذه الدول القوية في أزمات اقتصاية؟ من كان يتوقع أن يقع هؤلاء الذين يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا في حيرة من أمرهم؟ وأن يستعصي عليهم إيجاد حلول ناجعة لهذه الأزمة؟ الحقيقة أن المؤمن لا يفاجأ بذلك إذا علم أن اقتصادهم كله يعتمد على الربا المضاعفة، وعلى مخالفة ما قررته شريعة الإسلام. هذا: ومن أنواع المخالفة الشرعية التي وقع في التعاملات المالية الرأسمالية:

1-المراباة في البيع: حتى تعرف خطورة الربا تأمل هذه الآيات الأربع في سورة البقرة :
قَالَ تَعَالَى:﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴾ وَ قَالَ تَعَالَى :﴿ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ وَ قَالَ تَعَالَى : ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ *﴾ وَ قَالَ تَعَالَى :﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ آل عمران: ١٣٠

2-البيع في بيعتين:
ففي حديث أبي هريرة " من باع بيعتين في بيعة ، فله أوكسهما أو الربا " رواه أبو داود عنه مرفوعا بلفظ. [1]
نقل البيهقي: عن عبد الوهاب بن عطاء قوله : " يعني : يقول : هو لك بنقد بعشرة ، و بنسيئة بعشرين " . و بهذا فسره ابن قتيبة ، فقال في "غريب الحديث " : " و من البيوع المنهي عنها ... شرطان في بيع ، و هو أن يشتري الرجل السلعة إلى شهرين بدينارين و إلى ثلاثة أشهر بثلاثة دنانير وهو بمعنى بيعتين في بيعة " . وبذلك فسره أيضا ابن سيرين، وطاووس، وسفيان الثوري، والأوزاعي ، والنسائي،وابن الأثير، وابن حبان حيث قال في صحيحه: باب " ذكر الزجر عن بيع الشيء بمائة دينار نسيئة ، و بتسعين دينارا نقدا " . ثم أورد تحته حديث أبي هريرة.
وهؤلاء يمارسونه في تجارة العقار على نطاق واسع جدا.

3-بيع ما ليس عنك: عن حكيم بن حزام قال : " أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقلت : يأتيني الرجل يسألني من البيع ما ليس عندي أبتاع له من السوق ثم أبيعه ؟ قال : " لا تبع ما ليس عندك " [2]
وهو واقع في النظام الرأسمالي: حيث يقوم المستثمر ببيع السندات لبنك آخر والعقار المرتهن مجهول الحال.

4-الغش والرشوة: عن أبي هريرة قال:قال صلى الله عليه وآله وسلم : (( من غشنا فليس منا )) [3]
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّاشِي وَالْمُرْتَشِي. [4]
وهو واقع في معاملاتهم، ويتعلق الأمر بتلقي شركات التقييم رشاوى مقابل رفع قيمة العقار لكي يحصل مالك العقار على قرض أكبر، وهذا من أكبر أسباب انهيار البنوك.

أيها الإخوة المؤمنون.. هذه الأزمات المتتالية أدت حالياً إلى إعادة النظر في كل العلاقات المالية التي تحكم العالم، لتتجه أنظار الجميع صوب النظم الإسلامية للمعاملات المالية.
وكان هذا سبباً في أن يبدأ الكثيرون على مستوى العالم في دراستها والبحث في إمكانية تطبيقها،حتى إن "رولان لاسكين" رئيس تحرير صحيفة "لوجورنال دفينانس" كتب افتتاحية الأسبوع الماضي تحت عنوان "هل تأهلت وول ستريت لاعتناق مبادئ الشريعة الإسلامية؟" وطالب من خلال مقالته بضرورة تطبيق الشريعة الإسلامية في المجال المالي والاقتصادي لوضع حد لهذه الأزمة التي تهز أسواق العالم من جراء التلاعب بقواعد التعامل والإفراط في المضاربات الوهمية غير المشروعة.
كما جاء في مقالة أخرى لبوفيس فانسون رئيس تحرير مجلة تشالينجز قال فيها: لابد أن نقرأ القرآن، ونتتبع آياته، للخروج من هذه الأزمة المالية، ولتطبيق ما به من أحكام تخص مبادئ الإسلام في الاقتصاد، لأنه لو حاول القائمون على بنوكنا احترام ما ورد في القرآن من تعاليم وأحكام وطبقوها لما كان قد حل بنا ما حل من كوارث وأزمات.
كما اقترح الاقتصادي الفرنسي الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد "موريس آلي" الحلول للخروج من الأزمة وإعادة التوازن من خلال تعديل معدل الفائدة إلى حدود الصفر ومراجعة معدل الضريبة إلى ما يقارب 2% وهو ما يتطابق تماما مع إلغاء الربا ونسبة الزكاة في النظام الإسلامي.
كما كان جلياً خلال الفترة السابقة تنامي الطلب على تطبيق النظم الإسلامية في المعاملات المالية حتى إن عددًا من المؤسسات المالية والبنوك العالمية بدأت تقدم خدمات مصرفية تتماشى مع الشريعة الإسلامية، ويقدر عدد البنوك والمصارف الإسلامية بنحو 300 بنك في 75 دولة حول العالم تبلغ إجمالي ودائعها 30 مليار دولار أمريكي.

أيها الإخوة..إن موقف المسلم من هذه الأحداث ومن هذه الاعترافات أن يعلم أن هذه الأمور تجري على السنن الإلهية فيمن خالف أمر الله: ﴿ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّةَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَحْوِيلًا ﴾ فاطر
يقول الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله: ((...وبذلك يعلم كل من له أدنى بصيرة أن البنوك الربوية ضد الاقتصاد السليم، وضد المصالح العامة، ومن أعظم أسباب الانهيار والبطالة ومحق البركات، وتسليط الأعداء وحلول العقوبات المتنوعة، والعواقب الوخيمة، فنسأل الله أن يعافي المسلمين من ذلك، وأن يمنحهم البصيرة والاستقامة على الحق. )) [5]
ولئن أعلن هؤلاء ضرورة العودة إلى تطبيق نظام الإسلام في المال والاقتصاد فهو أمر متحتم بناء على حرصهم على المصالح الدنيوية وليس ذلك بكاف، ولا نافع لهم في الآخرة،إلا أن يؤمنوا بربهم ويتبعوا شرعه الحنيف، وعسى أن يأتي اليوم الذي يعترفون فيه بفساد النظام الديني والأخلاقي كما فسد النظام المالي.
﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ ﴾ الروم: ٤١

اللهم ألهمنا مراشد أمورنا، وافتح للحق صدورنا، ووفقنا لأحسن القول والعمل، وجنبنا مواطن الزيغ والزلل، واصرف عنا أسباب الشقاوة والغمة،وثبتنا على الإسلام والسنة. وصل اللهم على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

[1] رواه ابن أبي شيبة في " المصنف " ، و ابن حبان في " صحيحه "، والحاكم و البيهقي صححه الألباني.

[2] رواه الخمسة وصححه الألباني .

[3] رواه مسلم. وفي رواية عنه عنده : (( من غش فليس منا ))

[4] رواه أبو داود والترمذي وصححه هو والألباني.

[5] فتاوى ابن باز: 19/221

تحميل

 
 
إعلان هام:

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام علي سيد المرسلين بينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ،، أما بعد: فيقول أبو إبراهيم محمد أحمد لوح : إن هذا الموقع ( www.drmalo.com)هو المعبر الالكتروني الرسمي عن مقالاتنا وخطبنا ودروسنا ومحاضراتنا وبحوثنا ومؤلفاتنا، وأي نص منشور في الشبكة، أو منسوخ منها منسوب إلي ولا يؤخذ بحرفيته من هذا الموقع فهو يعبر عن وجهة نظر ناشره، وليس عن وجهة نظري بالضرورة.. والله الموفق..

إعلان:

صدر حديثا كتاب "معالم الطريق إلى البحث والتحقيق" تأليف د/ محمد أحمد لوح -رسالة في مناهج البحث العلمي وأصول تحقيق المخطوطات. ويطلب من المكتبات التالية:
1- ركن الخدمات التجارية في الكلية الإفريقية.
2- مكتبة وتسجيلات الاستقامة في بارسيل وحدة 19
3- مكتبة دار السنة في كولوبان.
4- مكتبة دار الأمة في كولوبان.
والله الموفق